أحمد مصطفى المراغي

20

تفسير المراغي

وبعد أن حكى مقالتهم سفّه آراءهم من وجوه ثلاثة : ( 1 ) ( وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) أي إنهم حين يشاهدون العذاب الذي استوجبوه بكفرهم وعنادهم سيعلمون من الضال ومن المضل ؟ وفي هذا رد لقولهم إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ، كما أن فيه وعيدا شديدا على التعامي والإعراض عن الاستدلال والنظر . ( ب ) ( أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ؟ ) أي انظر في حال هذا الذي جعل هواه إلهه ، بأن أطاعه وبنى عليه أمر دينه ، وأعرض عن استماع الحجة الباهرة ، والبرهان الجلى الواضح ، وأعجب ولا تأبه به ، فإنك لن تكون حفيظا على مثل هذا تزجره عما هو عليه من الضلال وترشده إلى الصراط السوىّ . وخلاصة ذلك - كأنه سبحانه يقول لرسوله : إن هذا الذي لا يرى معبودا له إلا هواه ، لا تستطيع أن تدعوه إلى الهدى ، وتمنعه من متابعة الهوى ، إن عليك إلا البلاغ . ونحو الآية قوله : « لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ » وقوله : « وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ » وقوله : « لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ » . وفي هذا الأسلوب تعجيب لرسوله من سوء أحوالهم بعد أن حكى قبيح أقوالهم وأفعالهم ، وتنبيه له إلى سوء عاقبتهم . قال ابن عباس : كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانا ، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني وترك الأول فأنزل اللّه الآية . ( ح ) ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) أي بل أتظن أن أكثرهم يسمعون حق السماع ما تتلو عليهم من الآيات ، أو يعقلون ما تتضمنه من المواعظ الداعية إلى الفضائل ومحاسن الأخلاق ، حتى تجتهد في دعوتهم ، وتحتفل بإرشادهم وتذكيرهم ، وتطمع في إيمانهم ؛ فما حالهم إلا حال البهائم في تركهم للتدبر فيما يشاهدون من البينات والحجج ، بل هم أضل منها سبيلا ،